Showing posts with label خُطُوطْ. Show all posts
Showing posts with label خُطُوطْ. Show all posts

Sunday, 30 August 2015

ابن الجبل... ابن الأمل

هو ذاك الجميل، ابن الجبل البعيد والأمل الكبير، الكبير، بأفعاله وأحلامه، الحلم الأصيل، النبيل، العنيد، الذي لم يملّ من مداعبة أفكارنا ووجداننا.

هو من مسح بابتسامته حزن قلوبنا العميق رغم كل ما يحيط به من أحزان، من رسم خطوط الفرح حول عيوننا بكلمات من ألوان الطيف، من أضفى على واقعنا لون الحياة.

هو من أسرّ لنا بأمانيه فأسر حواسنا وسحر كياننا وحلّق برفقتنا حيث ينبض المنال.

ويا له من منال، أنيق كالكمان ولذيذ كحبة رمان، لكن الألم يفيض به والأمل بات يضيع منه، وما أصعبه من ضياع!

كيف لنا أن نهدئ من روعه وقد فقد روح الروح؟! أن نبوح بأذنيه وقد أرهقهما ضجيج السماء؟! أن نزرع له الأرض أزهاراً ووروداً وقد ذبلت وجنتيه وفاضت في فؤاده الجروح؟!

بأي حق نشاركه الدمع ونحن من أدرنا وجوهنا عن سيل الدماء، من تعجبنا من قهر الرجال، من جعلنا من الدمار مجالس نقاش نتبارى فيها بلا نتاج!

نتاجنا الوحيد؛ القسوة التي اجتاحت أرواحنا والأنانية التي تمكّنت منا، فتركناه بلا رفيق في درب تغتالها الحرب.
وما أبشعها من حرب! ما أبشعها من كلمة!



آه لو تخلّت عن وسطها لنخرج بأطهر معنى، وننتعش بانتعاش قلب ذاك الجميل، ابن الجبل البعيد والأمل الكبير.

Sunday, 23 August 2015

سراب


من شهر لأ من دَهِر
رسيت بقلبي متل ما حدا قَبِل
عشعشت جوّاتي وما قلت حتى أَحِم

من شهر لأ من دَهِر
بكياني آه شو عملت
وبروحي شو ما عملت
رافقتني عطول النَهِر
بس تركتني بعرض البَحِر

من القَهِر
جفّ الدَمِع
وهالقلب تِعِب
وكفر بكل وَعِد

ما إنت شب
عحلم أحلى من العِلِم غفّيتني
وبدنيا من القهر فاجأتني
بغابة كلها شجر عيّشتني
وبصحرا مليانة ضجر رميتني
ضحكة الموناليزا هديتني
وحيرة عشّاقها عطيتني

إنت شب
متل الوعد بلون وطعم الدمع
متل الدرب المزروع بريحة الدم
متل الندم قاسي ومُر

وما بينزعل عليك 
ما دام الغدر فيك طبع 
والحب عندك وقت
وطول ما توبك عهوا الغرب
بس قلبك معتّق بروح الشرق

Sunday, 21 June 2015

لم ترُق له

كانت مناسبة لتبهر أبناء المدينة، أما هو، ابن الجبال البعيدة والآمال الكبيرة، فقد اكتفى بضحكة طويلة كصبرها ومستفزة كصمتها، صمتها الذي رافقته نظرة حزينة كثمار مدينتها الجميلة، مدينتها الجميلة كروحه، روحه التي خذلتها.

كانت متأخرة رغم ثمرها، ثمرها الذي لم تتقنه كما قال لها، سرّية رغم علمهم بها، هم الذين لم يحرجوها بأسئلة عنها وعن صاحبها.

كانت رمزية، تهمس بأسرار كثيرة وتعترف بمشاعر دفينة، مختلفة، تتمرّد على خيوطها لتلقي بروحها البيضاء في دروب حزينة فتنسج أثواب فرحة قريبة.

كانت وكانت وكانت، لكنها لم تكن حين تقابلا وقدّمتها له كما تمنّت.

تمنّت أن تأسر حواسه، أن تسحر كيانه، أن تخطفه من عالمه وتلقي به في دوامة من الذكريات.

لكنها لا تذكر منه سوى ما قاله بإعجاب حينها وهو يتفحّص تفاصيلها "من يجيد هذه الحياكة، يجيد حياكة أجمل الحكايا... صدقيني، هناك رابط قوي بين الأمرين".

لم تكن بانتظار تأكيده على وجود هذا الرابط، فنظراتها التي ألقت بها عليه لم تكن سوى تعبيراً عن دهشتها مما لفت انتباهه من كل هذه الحياكة!


رغم حبّها للكرز ولكل ما يرمز له في ذاكرته وفي وجدانها، إلا أنه عجز عمّا تمكّن منه الياسمين، ذاك الياسمين المشاكس رغم خجله، المنفي رغم جمال عبقه، ذاك الياسمين الذي أضفى عبيره على يدها وانسحب برقة وهدوء، بعد أن أشعل صاحبه كافة حواسها.

عبالها


عبالها 
تطلّ من شي شباك
وتاخدها بهالساحات


تنسی كل شي بسماك
وتركز عهالنجمات


تبعد عن كل هالزراق
وتطلّع عهالغابات


عبالها
تضيع وتضيّعها بهواك
ما تغيب وتتركها وراك



قلبها عم يبكي الفراق
وروحها عم بتئن من الغياب

Monday, 1 June 2015

خيبة



كلّما
جذبت رائحة
شعرت بالغثيان

وكلّما
عانقت شخصاً
تألّمت من الاغتراب

ظنّت أنها عثرت

فتوهّجت روحها
ونضجت ابتسامتها

لحظة، لحظتان
فدقائق وساعات

بهت نورها
وخفت سحرها

فأصبحت تُبصر ظلاماً
وأمست تسمع نواحاً

وعلقم الخيبات
بذائقتها بات يعصف

فعاد الخذلان
وغاب المرجان

Tuesday, 24 March 2015

ماما

بتتذكري لما كنت صغيرة كتير وكنتي تحمليني وتقعديني علی طاولة المطبخ، تبدي تمشطيلي شعري وتعمليلي جدولة حلوة بلون عيونك؟ جدولة السنبلة.. كنتي تعرفي تعمليها مع إنه أغلب الأمهات ما بيعرفوا..

أنا ما بتذكر القصة، بس من قد ما عدتيها صارت جزء من ذاكرتي.. كنتي دايما تحكي قدام خواتي الصغار إني الوحيدة اللي فشتلك قلبك وخليتك تلعبي بشعري، إني هادية ومسالمة وما بجادل، كنتي تقولي كمان إني نولدت متل الخروف! بس يلا مسامحاكي بهالوصف الرومانسي!

المهم، كنتي تحطيني علی طاولة المطبخ وتلعبي بشعري وتكملي طبختك وتنسيني.. تنسيني لإني قاعدة بهدوووء وما عم بتحرك، عم بستناكي تيجي تكملي لعب بشعري أو تأكليني من إيديكي الحلوين.. شايفة يا ماما أديش كانت بنتك أمورة وكيوت!

بعرف.. أنا هلأ بطلت متل زمان :$ يمكن هادية شوي بس بطلت مسالمة كتير وصرت أجادلك كتير كتير!

سامحيني يا ماما لإنه الكل بيحكي عني ملاك إلا إنتي بتتمني تحسي بهالملاك اللي ربيتيه.. بتعرفي ليش؟ يمكن لإنك الوحيدة اللي رح تفهمني لو شو ما عملت، لو قد ما غلطت..

سامحيني يا ماما علی كل كلمة قلتها وكانت سبب بزعلك، علی كل حرف كتبته وكان سبب بدمعتك، علی كل شي عملته وإنتي مش راضية عنه..

سامحيني يا ماما إذا نسيت بيوم من الأيام تعبك معنا، سهرك علينا، الحكايات اللي كنتي تنيمينا عليها واللي خلتني أعشق القراءة والكتابة..

سامحيني يا ماما إذا بيوم ما فهمت سبب خوفك علي.. إذا بيوم عاندتك وعملت اللي براسي.. إذا بيوم لمتك علی شي عملتيه لإنك بتحبيني..

بحبك ماما.. وبوعدك أرجع متل هديك البنت اللي كنتي تمشطيلها شعرها وهيي صغيرة.

في الصالون

"إلهي وإنت جاهي تقلب خطبة وسام عزا" توجهت بسبابتيها إلی الأعلی وكررتها ثلاث مراتٍ ثم عضّت شفتها السفلى وأكملت تسريح شعري من الجانب الأيسر، ومن الجانب الأيمن تناولت زميلتها خصلةً من شعري لتساعدها في إنهاء التسريح بأسرع وقت، وقالت بغضب "ابن الكلب... الله لا يجبر بخاطره".

من المرآة وأنا أتابع بعينيّ المذهولتَين تحركات أيديهما العنيفة على رأسي ظهرت لي شابّة وجهها سَمْحٌ لكنه حزين، وقوامها جميلٌ لكن الإنهاك بادٍ عليه، اقتربت من مصففتَي شعري وأخبرتهما أن عليها المغادرة، طلبتا منها البقاء قليلاً، لكنها قالت لهما "واقف برّا، بقدرش أتأخر عليه، خاصة بعد القصة اللي صارت إمبارح" ثم زمّت شفتيها وخرجت مسرعةً دون سلام.
بأذني اليسری رنّت كلماتها وهي تقول "شايفه شو بيجينا من ورا الرجال!" وتناولت خصلةً من شعري بطريقة هزّت رأسي وجعلتني أغمض عينيّ وأرفع حاجبَي من الصدمة! ثم أضافت من تصفف الجانب الأيمن من شعري، والتي كانت ألطف بتعاملها مع رأسي لكنها أكثر عنفاً بكلماتها "بجيناش غير الهم ووجع الراس.. قطيعة تقطعهم".
للحظات شعرت بالحنق منهما، لسوء أفكارهما عن الرجال، ولعدم منحهما الاهتمام الكافي برأسي! أردتُ توبيخهما، لكني آثرت الصمت والصبر حين تفحصتهما بنظراتي من جديد فأدركت أن ما يزعجهما ويتسبب بألم رأسي رجل لم يأخذ من الرجولة إلا اسمها!

أصدق صورة


كابتسامة أب حنون
كأم تمسك بيديها بين المروج
كأخ يشاركها ضوء النجوم
رسمته وهي تسير بين الدروب

كصديقة تحلّق معها بلا قيود
كصديق يشدّها إلی درب الجنون
كقريبة تهدئ روعها في السهول
رسمته وهي تسير بين الدروب

كنظرات شاب وسيم في كلية الفنون
كانتظار حبيب غارق في بستان زهور
كحبات لؤلؤ تسيل بها الغيوم
رسمته وهي تسير بين الدروب

كفاقد هوية يبحر نحو المجهول
كلاجئة جميلة تذبل كما الورود
كرجل من بلادها يقاوم الاحتلال ويثور
رسمته وهي تسير بين الدروب

كبُرت فكبُر في خيالها
كبُرت فلوّنته من تجاربها

عبَرت نهر العزة والإباء
فوجدته أمامها

بقبلة فاجأها
بحب أخبرها

أنه أصدق صورة جمعتها

من 100 حكاية مرّت بها

Saturday, 7 July 2012

وسط ُعمّان حيثُ الواقعُ يَفيض

من تدوينات مكتوب المرحوم - 2012

      مُدهشٌ تناقضُ الحياة؛ ما هو أساسيٌ لدى البعض، رفاهيٌ لدى آخرين! وبشعٌ جَورُها؛ فكم حرمت أُناساً من أدنى حقوقهم، حتّى جعلت منهُم بشراً غارقاً في العَوز، وكم أغرقت آخرين في رغدهم، فصنعت من حبّ الذّات منهجاً لهم.
     هنا في وسط عمّان، المُكتظة شوارعه بالمشاة سيراً أو على مركبات، والممتلئة أرصفته بالباعة وببضائعهم التي اعتادت الرّكود، وبالمحال ذات النكهة الخاصّة، وبكثيرٍ من المتجولين، وبطائفةٍ من الماكثين القابعين في هامش الحياة، هنا؛ أدركتُ أنّ ما ترصده عينيّ جزءٌ لا يتجزأ من حاضر المكان، جزءٌ يزيدُ هذه المنطقة جمالاً وبهاءً.
     تجوّلتُ في شوارع وسطِ عمّان، ذات التضارب الصّارخ في مكوناتها، بشراً وجماداً، والمُحاطة بجبالٍ تزيدُها ألقاً، لكنّ رائحةً كريهةً ملأَتْ أنفي؛ فتنبّهتُ على بائعٍ يقذف بأكياس قمامة على حافّة الرصيف، وكأنّهُ يجهلُ أنّ تلك السلال على الرصيف المُقابل مخصصة لاحتواء هذه القمامة! ومع الأسف؛ حين تنقلتُ أكثر في شوارع وسط العاصمة؛ أدركتُ أنّ أكياس القمامة المتناثرة هنا وهناك؛ من أساسيات المكان، وأن إلقاءها في السّلال هو الأمر الغريب!
     ثمّ؛ في باحة المسجد الحُسيني؛ لفت انتباهي طفلٌ يُروّجُ لبضاعته، عمره لا يتجاوز العاشرة، لكنّ هيأتهُ وهندامه يوحيان بغير ذلك، وكأنّما قسوة الحياة أعادت عَجْنه، لتستبدل بشاشة وجهه وبراءة عينيه بمظهرٍ عابسٍ واجم.
     اقتربتُ منه، ألقيتُ عليه التّحية، ثمّ سألتُهُ إن كان يذهب إلى المدرسة، فلم يجبني أنه يذهب فحسب، بل أخبرني أنّهُ متفوقٌ بدراسته كذلك، فسألتُه عن سبب غيابه في هذا اليوم، ليجِبني أنّ على والده إنجاز بعض المهام، الأمر الذي جعله يحل مكانه إلى حين قدومه، فهذا مصدر رزقهم الوحيد، وهو رجل المنزل في غياب والده.
     لم أستطع سوى الإعجاب بهذا الطّفل الرجل، ومع ذلك فقد حزنتُ على طفولته المهدورة، هو وغيره ممّن تتشابه حكاياتهم معه، وكم هُم كُثر…
     خلال سَيْري؛ وقع نظري على سيدةٍ تمتلكُ وجهاً نُحاسياً وادعاً، الكهولة باديةٌ عليها من نظرةِ عينَيها وتجاعيدِ يديها، وكذلك من ظهرها المُنحني وهي تسير، تابعتُ خُطاها، فإذا بها تتّخذُ من إحدى المساحات الفارغة على الرّصيف المُزدحم بالمُشاة والبضائع مقرًّا لها، فتجلسُ بكل أريحيةٍ وكأنّهُ مأواها المُعتاد، ظلُّها هو الشّمسُ، أمّا رفيقُها الوفي فهو الجوع، هذا ما استنتجته من جسدها الذائب في ثوبها!
     أكملتُ سيري لكن فكري بقيَ مشغولاً بحال هذه السّيدة، التي تُمثلُّ شريحةً واسعة في وسط البلد، حتى أيقظني من شرودي ضحكُ فتاةٍ ممتلئة بأشكال البذخ، يحيطُ بها فتيات أخريات لا يختلفن عنها، يبدو أنّهن جئن للتنزُه في هذه المساحة الحقيقية من عمّان.
     لم أعجب لهذا التناقض، فهنا الواقعُ ملموس، أُناسٌ يَسْعَوْن جاهدين لنَيْل حقوقهم المشروعة، وآخرين مُتخمين من التّرف، قادمين إمّا للتطفّل، أو للاستحواذ على مزيدٍ من الرفاهية.
     بالفعل؛ حقيقةُ الأمور تتضحُ هنا، حيثُ التآلُفُ والاختلافُ موجودان، حيثُ لا مجال للإنكار أو الكتمان، فهذه هي الحياة؛ ببساطتها المُفرطة، وبإجحافها الآخِذ بالتمادي.
    

اسكندريلا… الذَّاكِرَةُ تَحْضُرُ مِنْ جَدِيدْ

من تدوينات مكتوب المرحوم - 2012

      رسمتُ مُسبقاً حجم الحضور الذي سأُلاقيه في الأُمسية المُتوجهة إليها في دارة الفنون بقلب عمّان، في اللويبدة تحديداً، ثمّ تراءت إلى ذاكرتي صُور آخر أُمسيةٍ حضرتُها في هذه الدّارة، حيثُ كانت قبل ثلاثة أعوام، في تموز 2009، للشاعر الفلسطيني الجميل تميم البرغوتي، هي أمسيةٌ شعريةٌ حضرتُها مع عددٍ من الشّباب الجامعي المتحمّس للهمّ الفلسطيني، كان الجمهور حينها يقارب الـ 1500 شخص، أو يزيد قليلاً، ما جعلني أُنصتُ لأشعار البرغوتي واقفةً لازدحام المكان، مقاعداً وأدراجاً وحجراً، والحقيقة أنّي كنتُ مشدوهة بالحجم الهائل من المُحتشدين، من مختلف الفئات العمرية، ومذهولة بالشّاعر الشّاب الذي جمعهم على اختلاف أطيافهم!

     الأمسية الثانية لي في دارة الفنون كانت قبل يومين، لفرقةٍ مصريةٍ عرفتُها في عالم الافتراض، وبالتزامن مع ثورة 25 يناير، وها أنا اليوم ألمسها على أرض الواقع، إنّها "فرقة اسكندريلا" أو "فرقة الشّارع" التي استقبلها الشّارع الأردني، بمختلف أجناسه، بلهفةِ طفلٍ ينتظر صباح العيد لارتداء ثيابه الجديدة لأول مرّة.

     هذه الأمسية لم يكُن شبابها من الحاملين للهمّ الفلسطيني فحسب، بل هو جمهورٌ أوسع وأعم، جمهورٌ عربيٌ مُجتمعٌ على وحدة الفكرة والهدف في حُقبةٍ مميّزة من الزمان، جمهورٌ لن يجد فرقةً تفوق "اسكندريلا" في العروبة.

     اضطررتُ لخطفِ روحي من نهايةِ ندوةٍ قيّمةٍ تتحدّثُ عن "السُّخرية في ظلّ الربيع العربي" حتى أصل إلى الأمسية في الموعد المُحدد، بالرّغم من هذا؛ وصلتُ متأخرة بعد هروبي من هذه النّدوة التي ضمّت أسماءً تُرفعُ لها القُبّعات احتراماً وتقديراً، ومع ذلك فقد كان حجم جمهورها لا يتعدى عدد أصابع اليدين! ولعلّ هذه أكبر سخرية يُواجهها المتحدثون في الندوة.

     في دارة الفنون وقفتُ من جديد، قرابة الـ 90 دقيقة وكل خليّةٍ من جسدي تستشعر وتقشعرُّ إلى ما تشدو به فرقة "اسكندريلا" صوتاً ولحناً، حتى حلّقتُ إلى عالمٍ مُختلفٍ لم أسمع عنهُ من قبل، شعرتُ معهُم وكأنني أخرُجُ عن صمتي، وكأنني أُمسكُ بحُلُمي.

     في أوجّ غَمْرة السّحر الذي أحدثتهُ بي فرقة "اسكندريللا" تنبّهتُ على نفسي، فتذكّرتُ أنّي "مشروعُ صحفية" وأنّهُ عليّ تشغيل حاسّة "الملاحظة الشّاملة" للمكان الذي أطأ أرضه، ورصْد كل ما يدور حولي، مهما كان…

     بدأت عيناي تتفحّصان الجمهور، كان هائلاً، لعلّهُ زاد عن الألف، لكنّي لستُ متأكدة، فقد فاض الجمهور عن المكان كما في أمسية البرغوتي، مقاعداً وأدراجاً وحجراً، ذاك الحجر الذي كاد ينطقُ من روعة ما يسمع، من بين الجمهور عددٌ لا بأس به من الوجوه المألوفة لدي.

     ترقّبتُ ردود أفعال الحاضرين مما يسمعون ويشاهدون، فكانت ردوداً مختلفة؛ منهم من يُنصت بكامل حواسه، مغمضاً عينيه، مُحرّكاً رأسهُ بانسجامٍ واضحٍ مع الموسيقى، تاركاً روحه تُحلّق، ومنهم من يستمع باهتمامٍ مُصطنع، لا يكفّ عن مراقبة السّاعة، وكأنّهُ حضر مُجبراً لإنهاء مهمّةٍ ما، ومنهم من قتلهُ الفراغ، فجاء ليروّح عن نفسه قليلاً، ومنهم من لا يدري إلى ماذا أتى، هو جمهورٌ فضولي، يميلُ لكلّ جديد، يكتفي بالترقب وتوزيع الابتسامات، وأحياناً ينجحُ بالاندماج، ومنهم كذلك شبابٌ متحمّس بشكلٍ مبالغ، جميلٌ بإقدامه، لكنّهُ خطير ومؤذٍ بسطحيته، سمِع عن فرقةٍ ستغني ضد إسرائيل، فانطلق لحضورها، دون أن يقرأ عنها، أو حتى أن يحفظ اسمها!

     التقطتُ بعض الصُّور التذكارية، وسجلتُ مقاطعاً غنائيةً للفرقة، كما دوّنتُ بعض المشاعر التي اعترتني خلال هذه الأمسية المُدهشة! ممّا دوّنت؛

"منذ أيّام طرأ على فكري خاطرٌ مجنونٌ، وفي هذه الدّقائق أستحضرُ أحداثه بطاقة خفيّة أجهلُ مصدرها، أعتقدُ أنّ لحظاتٍ تفصلُني عن الجنون الذي أنوي تحقيقه"…

     لعلّ تداخل المشاعر جعلني أدوّن كلماتٍ لا أعيها بالكامل، لكنّي سعيدة بهذا الغموض القابل للتحقيق الذي منحتني إيّاه فرقة "اسكندريلا".

     من ترقّبي لمن حولي، وجدتُ كثيراً من الحضور مثلي، بل وأفضل بالفعل، كانوا يلتقطون صوراً، ويسجّلون مقاطع فيديو، ويدوّنون بعض الكلمات، ومعهم كلّ الحق في ذلك، فهذه لحظاتٌ مخطوفةٌ من الزّمن، لا بد من حفظها واسترجاعها فيما بعد، لأنّهُ قلّما تتكرر بكامل ألقها وبهائها كاللّيلة.

     انتهت الأمسية فسلّمتُ على بعض الوجوه التي أعرفها، ثمّ خرجتُ من دارة الفنون وأنا ممتنّةٌ لها لاحتضانها هذه الفرقة السّاحرة، ولاحتوائنا نحنُ المُتعطّشون لقطرة أمل، وشاكرة كذلك لجمعية الحنّونة للثقافة الشّعبية، التي ضمّنت فرقة "اسكندريلا" لفعالياتها التي أطلقتها في الموسم الرّابع من برنامج "حرّاس الذاكرة".

  
* نُشر هذا المقال لأول مرة بتاريخ 18 أيار 2012

     

 أُدرجُ لكُم بعضاً من الكلمات التي تتغنّى بها هذه الفرقة الأخّاذة، ثمّ مقاطعَ غنائية للفرقة سجّلها بعض الحضور:

 يـُحكى أنّ .. أنّ إيه؟
سرقوا بلادنا ولاد الإيه
يـُحكى أنّ .. كان يا مكان
سرقوا بلادنا الأمريكان
يـُحكى أنّ .. جيل ورا جيل
سرقوا فلسطين إسرائيل
راح يدخلوا يغداد العصر
و المغرب راح يدخلوا مصر
يـُحكى أنّ .. أنّ إيه؟
سرقوا بلادنا ولاد الإيه
يـُحكى أنّ .. كان يامكان
سرقوا بلادنا الأمريكان
يـُحكى أنّ .. جيل ورا جيل
سرقوا فلسطين إسرائيل
يـُحكى أنّ .. يا أحفاد
أمريكا دخلت بغداد
يـُحكى أنّ .. ياحلاوة
أمريكا بتضرب بغباوة
*****
حيوا أهل الشام.. يا أهل الله
صابره وهشام.. وما شا الله
كلهم قد صام..  وقد صلى
يا ابو زيد الخيل.. متقلقشى
كلهم قد نام.. مؤدى الفرض
*****
البحر بيضحك ليه
وأنا نازلة أتدلع أملى القلل
البحر غضبان ما بيضحكش
أصل الحكاية ما تضحكش
البحر جرحه ما بيدبلش
وجرحنا ولا عمره دبل
البحر بيضحك ليه
وأنا نازلة أتدلع أملى القلل
***
مساكين بنضحك م البلوة
زي الديوك والروح حلوة
سرقاها م السكين حموة
ولسه جوا القلب أمل
البحر بيضحك ليه
و أنا نازلة أتدلع أملى القلل
*****
راجعين بقلب حديد
راجعين أمل بيزيد
خطر يروح لأمان
شجر يقول أناشيد
راجعين من الماضي
رايحين على المستقبل
بعزمنا الماضي
الدنيا تصبح أجمل
يا حياة يا حريّة
يا روح يا مصريّة
يا عيش وملح وماء
الناس سواسية
راجعين راجعين راجعين يا حياة
راجعين راجعين راجعين للحياة

  


لحظاتٌ خارج أسوار المدينة

من تدوينات مكتوب المرحوم - 2012



      قرّرتُ ذاتَ ربيعٍ أنْ أخطُف نفسي لأُرفرف معها حيثُ الخَضارُ يكثُر والينابيعُ تجري، فوصلتُ إلى مساحةٍ ساحرةٍ، مليئةٍ بالأشجار، وبأصوات العصافير.

     استحضرتُ في ذاك المشهدِ أميراً ملأ روحي بالحياة، فتأملتُ وإيّاهُ جمال الطبيعة المنسيّة، واستنشقتُ معه عطرها الأخّاذ، وتسللّت لأذنينا ألحاناً نقيّة لم أسمع بجمالها من قبل، ثمّ تناجيتُ مع أميري الذي منحني أحلى اللّحظات.


     تلكَ لحظاتٌ عشتُها مع الطبيعة ومع أميري، لن تغيبَ يوماً عن مخيّلتي، فهي دون غيرها؛ التي محَت عنّي جُزءاً من الحزن الذي لا يملُّ رفقتي، فأنعشت روحي لأيّام غير معدودات.

     أخذني في هذه الرحلة الهدوء الذي يأتي بسبب البعد عن ضوضاء المدينة، كما سحرني تراقص الأشجار الشّامخات، ورائحةُ الورود المتناثرة هنا وهناك، لكن؛ ما صدمني، أنّ في الأردن طبيعة خلّابة كهذه، حيثُ لم أتوقع يوماً أنّي أعيش بالقرب من مناطق تعُجّ بالجمال!


     أمسكَ أميري بيدي وأرشدني إلى تفاصيل هذه المساحة من الأرض، سرتُ معهُ طويلاً، كنتُ مأخوذةً بالهواء، وبالسّماء، وبحكاياه المشوّقة. تمنّيتُ أن أظلّ هناك، بعيداً عن البشرِ والآلات، لا أشتمُّ سوى ريح الطبيعة، ولا أستمع إلاّ لألحانها، ووقتي كلُّهُ للتأمُّل في المدى، فالمساحات حيثُ كنت، آخذةٌ بالاتّساع بلا حدودٍ مُرهقةٍ للنّظر.


     هذه هي "عراقُ الأمير" التي لا تتميزُ بجمالها فحسب، بل وبقيمتها الحضارية والتاريخية كذلك، فتضُمُّ قصر "عراق الأمير" الذي بناهُ "هركانوس" من أسرة "طوبيا العمُّونية" في عهد الملك سلقوس الرابع، في القرن الثاني قبل الميلاد، واتّخذت المنطقة المُحيطة به اسمها منه، هذه المنطقة التي ظهرت فيها حضارة الرومان واليونان وغيرها من الحضارات، وسُمّي القصر بهذا الاسم لأنّ مدخله يشبه باب المغارة، أمّا الأمير فالمقصود به "طوبيا"، وهو مَن كان يحكُم المنطقة في تلك العصور.


     تبعد عراق الأمير عن عمّان 35 كم، وتقع على تلال عاليةٍ ومتوسطة الارتفاع، وهي منطقة خضراء تكثر فيها ينابيع المياء، وتشتهر بأشجار الزيتون، بالإضافة للأشجار الحرجية الأخرى، وتحوي تلالها عدداً من الكهوف التي تعود للعهد النحاسي وما قبله.

     انتهت رحلتي في عراق الأمير، فودّعتُ أميري، الذي أخبرني أنّهُ سيشتاق للقاءٍ آخر يجمعنا، ووعدني برحلةٍ أخرى في طبيعةٍ أكثر سحراً، كما أخبرني أنّي أجمل ما في هذه الطبيعة. ثمّ عُدتُ إلى منزلي مأخوذةً بسحر الطبيعة، وكي أُبقي على هذا السّحر لأطول مُدّةٍ ممكنة؛ خلدتُ إلى النّومِ سريعاً، فامتلأت أحلامي بصوت الأشجار المتراقصة، وبتغريد العصافير المُنتعشة بفضل الهواء النّقي.