Showing posts with label وطن. Show all posts
Showing posts with label وطن. Show all posts

Friday, 9 June 2017

من أمثال صالح ومروة تأتي الهزائم

أكثر من 10 أعوام مضت ولا تزال ذكرى معلمة الرياضيات من أجمل الذكريات التي أحتفظ بها في وجداني وأسترجعها كلما واجهتني عقبة، فهي من حرّك خيالي وزرع بداخلي التحدي والإصرار.

كنت في المرحلة الإعدادية حين جمعني القدر بها، لم تكن مختلفة عن المعلمات اللاتي سبقنها، ولا حتى عمّن لحقنها، لم تكن لطيفة إلى حد يأسر من حولها ولم تتميّز بقدرتها على تبسيط المادة، لم تعاملني معاملة خاصة ولم تأتنا بأسلوب تدريس جديد، على العكس، كانت رتيبة الشرح، قاسية الامتحانات وشحيحة العلامات، لكنني أحببتها.. وهذا كل ما في الأمر!

لا أذكر كيف تسلّل حبها إلى قلبي ولا المعطيات التي أدّت إلى تكوينه، لكنني أذكر نتيجته جيداً، لقد حصلت في العام الذي التقت فيه روحَينا على علامة كاملة في مادة الرياضيات، كانت تلك أول وآخر مرة أحقق فيها نجاحاً أفخر به في مادة بكيت فيما بعد من صعوبة شِفراتها.
 إنه الحب، ولا شيء سوى الحب قادر على تغيير الأفكار وتبديل الأحوال، وبمقدار الحب يدوم الحال الجديد وينتصر أو يهزمه التلاشي.


حلب.. نداء عاجل

مع انخفاض درجات الحرارة ارتفعت وتيرة الأحداث في الأحياء الشرقية لمدينة حلب السورية، حيث شهدت أسبوعاً دامياً ملأ شوارع المدينة بحكايات منسوجة بالصمود، وجرّد مدن العالم من إنسانيتها إن لم تهتف باسم حلب.

كثيرون هم الذين فقدوا جزءاً من إنسانيتهم، وكثيرون هم الذين هتفوا.. امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بنداءاتهم، واكتظت الشوارع بهم.. يوم، يومان، ثلاثة، أربعة، خمسة.. ثم ماذا؟ كلٌ عاد إلى حياته.

قبل تلك الأيام وقع الحصار وارتُكبت المجازر، وفي تلك الأيام اشتد الخناق فالتفت العالم لنداءات المدينة المنكوبة وتم الاتفاق على إخلائها من أهلها لضمان سلامتهم، ليسود بعد ذلك الصمت، رغم بدء الحدث الأقسى، حدث التهجير، بكل ما يحمله من إحباط.

الآن وبعد أسبوعين من فورة الغضب وتهجير حوالي 25 ألف شخص من منازلهم، هدأ الجميع، غابت حلب من شريط الأخبار العاجلة، وتبخّرت من مواقع التواصل الاجتماعية، كما اندثر ذكرها من الشوارع المتضامنة، على الرغم من أن أنقاضها حتى هذه اللحظة تدفن عائلات ماتت دون أن تحقق أحلامها، وعلى الرغم من أن بعضاً من أهلها المهجّرين ماتوا ويموتون من شدة القهر والبرد.

راجعين يا هوى
امتلأت عينيّ في ذلك الأسبوع الدامي بزخم من المشاهد القاسية والدامية التي تدمع لها العين ويعتصر لها القلب ألماً، فقدت ساعات من نومي وأنا أفكر بسبب ما وصلنا له، أصبحت حلب بطلة نقاشاتي مع الأصدقاء، وكان يصيبني الهم والحزن كلما وجدت مصفقاً ومبرراً للمجازر القائمة، اقتسمت لأهلي في حلب نصيباً من دعائي وشاركت من حولي أخبارهم، لعلّ وعسى.. لكنني ومع مرور الأيام وكعادة الإنسان التي جُبل عليها، عدت لحياتي الاعتيادية.

كل تلك المشاهد الحزينة التي شغلتني لبرهة من الزمن، غابت الآن، لست أنا الوحيدة، ها هي تغيب كذلك من منشورات أصدقائي على الفيسبوك وتُستبدل بمشاهد مليئة بألوان الحياة، ربما هكذا نحن البشر، بطبعنا نشتاق إلى الفرح ونركض خلفه.

غابت كل تلك الأحداث إلا صورة وحيدة بقيت تداعب ذاكرتي وتُسعد بصري كلما عدت لها، إنها صورة "صالح ومروة" الزوجان.. الحبيبان اللذان تشاركا الحصار وويلاته.. عاشا الظلم بكل طقوسه.. "صالح ومروة" الحبيبان اللذان اختصرا بحر كلمات في وصف الثورة.. اختصراه بصورة تفيض بالحب وتنطق بالانتماء.. صورة تعبّر عن عائلات حلب التي تشاركت الألم وصبرت.. صورة منهكة بتفاصيلها قوية ببنيانها.

على الرغم من كل هذا الجمال الموجود في الصورة، يأتي من يعلّق وهو جالس على مقعده الوثير ليقول "من أمثال صالح ومروة سقطت حلب" بل من أمثال "صالح ومروة" بدأت الثورة السلمية وستنتصر بأمثالهما.
فالحب يصنع المعجزات ولا شيء غيره..


*تجدون التدوينة كذلك على مدونات الجزيرة:

Tuesday, 20 September 2016

كم كنت ثقيلاً يا جحش العيد

اعتدنا في بلاد الشام أن نطلق على اليوم الذي يلي آخر أيام العيد اسم "جحش العيد"، لا أعرف من ابتدع هذا الاسم ولا كيف أصبح هذا اليوم مكمّلاً رسمياً للعيد، نواصل فيه الزيارات ونفتح أبوابنا لمن لم يتمكن من زيارتنا في أول الأيام، ولكن ما أعرفه بأنه كان يوماً خفيفاً ولطيفاً، نتمنى أن يستمر أياماً حتى لا تغيب أجواء العيد ويعود إرهاق الدوام.

هذه المرة شعرت بـ "جحش العيد" في اليوم الأول، وبعد صلاة العيد مباشرة، لكنه كان ثقيل الظل، بشع المظهر، كان الخوف ظاهرا على محياه والتوتر واضحا من هندامه، ومع ذلك وبكامل وقاحته أصرّ على الظهور وتمثيل طقوس الفرح في مكان انتزعه من أهله بالقوة، مكان لا تزال رائحة الدماء والدمار تفوح في أجوائه.

حتى هذه اللحظة أحاول تحليل المشهد الذي ظهر به هو وأتباعه، لكنني أقف عاجزة ومذهولة، فكيف لكل هذه البشاعة أن تجتمع في إنسان؟! وهل يستحق الإنسانية من يقصف مدينة طوال خمسة أعوام؟ من يحاصرها ويمنع الطعام عن أهلها ثم يضعهم أمام خيارين؛ الهجرة أو الإبادة؟

هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها صلاة عيد خاوية من ألوان الفرح، فلا يوجد أطفال يتباهون بملابسهم، ولا صوت لضحكات النساء، لا يوجد باعة متجولون في الطرقات
خلت داريا من سكانها فسكنت إلى الوحدة، سكنت رغم جرحها العميق، ومع ذلك، فقد اخترق السكون بضجيج مركباته، وداس على الجرح حين دخلها أول أيام العيد راقصاً وضاحكاً رغم الدماء التي لم تجفّ بعد، دخلها برفقة أتباعه لأداء صلاة العيد.

هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها صلاة عيد خاوية من ألوان الفرح، فلا يوجد أطفال يتباهون بملابسهم، ولا صوت لضحكات النساء، لا يوجد باعة متجولون في الطرقات ولا تجمّعات حول أضاحي العيد، لا يوجد سوى قتلة متسلّقين على ظهر الدين.

شاهدت الفيديو الذي انتشر لصلاة بشار الأسد في داريا واستمعت لما قاله بعد الصلاة، فلمست اللا عقلانية في خطابه والتوتر في حركاته، وشعرت بعدم تصديقه لكل ما يحدث، بدا لي كالطغاة الذين نقرأ عنهم في كتب التاريخ، بل أكثر إجراماً، فتراءت لي صورته وهو مدفون بجانبهم، وسرعان ما تبادرت إلى ذهني قصيدة "عن إنسان" للشاعر الفلسطيني محمود درويش، التي كلّما قرأتها تذكّرت حالنا نحن الشباب العرب، حالنا منذ نعومة أظفارنا، منذ شباب أجدادنا، وحتى في شبابنا.. أحب هذه القصيدة، فرغم الظلام الدامس الذي يعيش فيه عالمنا العربي، إلا أنها تخبرنا بأن الليل زائل وبأن شمس الانتصار ستشرق من جديد. إليكم القصيدة:

وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى
وقالوا: أنت قاتل!
أخذوا طعامه والملابس والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى
وقالوا: أنت سارق!
طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا: أنت لاجئ!
يا دامي العينين والكفّين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجفّ
ستملأ الوادي سنابل


*تجدون التدوينة كذلك على مدونات الجزيرة:

Monday, 5 September 2016

خلص.. فلسطين عيّدت

اعتدت الانتظار طويلاً حتى يتكرّم أحد سائقي التكسي بالوقوف لي والموافقة على نقلي إلى وجهتي، فعلى الرغم من ازدحام شوارع عمّان/ الأردن بهم، إلا أن هذه الشوارع مزدحمة كذلك بالواقفين على عتبات الانتظار.

أزمة الانتظار المهلكة هذه، دفعت كثيراً من الواقفين إلى التنازل عن حقهم بركوب سيارة تكسي خاصة بهم وحدهم، هذه الأزمة نفسها، هي التي مكّنتني قبل حوالي أسبوعين من التعرّف على سائق تكسي يجيد الحديث بثلاث لغات غير العربية، كان يُظهر براعته بالإنجليزية مع كل انعطافة يطلبها منه الراكب الأجنبي الذي يجلس بجانبه.

كانا يتبادلان الأحاديث وأنا أستمع لهما تارة، وأسرح أطواراً، ثم جذب سمعي الراكب الأجنبي وهو يعبّر عن تفاجئه لحديث السائق باللغة الفرنسية، أنا تفاجأت كذلك، فأعدت تركيزي إليهما، كنا قد أصبحنا على مقربة من وجهتي، فتحدثت بعد صمت طويل لأرشده إلى طريقي، في هذه الأثناء، التفت السائق إلى الراكب الذي بجانبه وسأله:

-
ما شلومخا؟ (جملة عبرية تعني "كيف حالك؟")
توقفت حركة السيارة وعمّ الصمت لبضع لحظات، لأكسره بإجابتي:
-
شلومي توف. (جملة عبرية تعني "أنا بخير")
لم يستطع سائق التكسي إخفاء دهشته، التفت إليّ وقال:
-
عمّي.. إنتي من وين؟!

سؤاله أوقعني في حيرة لطالما وقعت بها، كيف تراني أجيب! من أين أنا؟ وهل وطن واحد يكفي لمن نشأ مثلي؟

إن أخبرته بأنني أردنية سأشعر بوخزة في صدري، فكيف نسيت إخباره أنّي يافوية الأصل، وأن والدتي دمشقية، وأنّي أتمتّع بطيبة أهل الحجاز! وإن اكتفيت بنسب نفسي إلى فلسطين، سأشعر بوخزات من تأنيب الضمير، فأين الأردن التي ضمّتني ورعت إنجازاتي؟ أين سوريا التي زادت جمالي؟ وأين السعودية التي صبغتني بطابع ميّزني عمّن حولي؟

بكل الأحوال، وبعيداً عن حيرتي التي وقعت بها، أجبته على النحو التالي لأنفي ظنّه بكوني من سكان فلسطين "الضفة" أو فلسطين "الـ 48":

-
يا ريتني من سكان فلسطين، أنا من هون.. بس تعمّدت أتعلم اللغة العبرية.
-
والله..! وليش؟
أعاد تحريك السيارة وأنا أجيبه كما اعتدت وبكامل ثقتي:
-
لإنها لغة عدوّي.
-
عن أي عدو بتحكي يا عمي؟!
-
عدوّي.. عدوّنا المشترك.. إسرائيل!

نظر إليّ عبر مرآته نظرة متفحّصة، أطال النظر، وأنا كذلك نظرت إليه، كان رجلاً يتجاوز الخمسين من عمره، ببنية منتصبة توحي بأن صاحبها كان رياضياً.. انعطافة واحدة إلى اليمين ونصل إلى وجهتي، أخبرته بذلك، فانعطف وهو يقول لي:
-
القصة مش قصة عدو.. القصة إنه بدنا نعي..
-
(قاطعته): هون لو سمحت..

ترجّلت من السيارة دون معرفة ما يريد الوصول إليه، لم أقصد مقاطعته، لكنني وصلت وهذا يعني انتهاء الحوار، ومع ذلك، فقد شعرت من أسلوبه بأنه ممّن يدافعون عن التطبيع ويبرّرون وجوده، أو قد لا يكون كذلك.. لن أحكم عليه، فلم أكن قد سمعت بقية حديثه.

سرعان ما غابت هذه الحكاية عن ذهني، فلا حبكة تميّزها ولا حكم أستطيع الخروج به، ولكن، ما لم أستطع نسيانه أو فهمه حتى هذه اللحظة، ما حدث معي قبل أسبوع من اليوم، حين أجبرتني من جديد ظروف الازدحام والانتظار الطويل إلى ركوب سيارة أجرة تضمّ راكباً قبلي، كان رجلاً كبيراً يبلغ الستين من عمره أو يزيد.

وأنا أهمّ لركوب السيارة من بابها الخلفي، سمعت السائق وهو يطلب إذن هذا الرجل بالسماح لي بمشاركته السيارة ليجيبه على الفور "بلهجة فلسطينية صافية":
-
طبعاً يا عمي.. هاي زي بنتي.. ولو! أصلاً هاي القصص هيّه اللي مأخرتكوا إنتوا العرب.

لم أفهم ما القصص التي قصدها، فالواضح أنه تعمّق أكثر مما ينبغي.. لكنّني استغربت من قوله "إنتوا العرب" وكأن لهجته ومحياه لا يحملان وجهنا نحن العرب!

أرشدت سائق التكسي إلى وجهتي ثم أطلقت نظري عبر النافذة، لأسمعه يقول وأنا أتأمل أرصفة عمّان الممتلئة بالأشجار والشروخ:

- يعني أرصفتنا مثلاً مستحيل تكون زي هيك.. عنّا الأرصفة عالنظام الأوروبي.. على مستوى واحد ونظيفة وما عليها شجر، عنّا الأعمى بقدر يمشي بكل راحة وسهولة.. مش زي عندكوا. لا والشوارع.. كلها مخططة ومنظّمة.. أنا عمري ما شفت شوارع زي هان..
- سائق التكسي: بس هان الشوارع مخططة كمان..
- وين مخططة؟!
- مخططة بس مش مبينة لإنّا بنمشي فوقها.. بس لو عملنا حادث لا سمح الله بنتخالف.. غير هيك عادي..

طالت مقارنات "عندكوا وعنّا" بين الرجل وسائق التكسي، وأنا لم أفهم بعد هو من أين، إلى أن قال:
- أصلاً نص أراضي الأردن إلنا.. إحنا اللي حاميين هالبلد.. ولا شو فكرك إنت؟

شدّ سائق التكسي قبضته على مقود السيارة، رغم محاولة الكتمان، إلا أن مشاعر الامتعاض ظهرت عليه، ومع ذلك فإنه آثر الصمت، لحظات من الصمت كسرها سائق التكسي الذي لم يستطع الصمت أكثر، ليقول:
- إحنا عنّا أراضي بالبلاد (يقصد فلسطين)، مش مستفيدين منها، ومع هيك مستحيل نبيعها ليهودي.. مع إنه كل يوم بتّصلوا فينا ولاد عمي وبقنعونا نبيعها بس مستحيل نبيعها.
- يا زلمة شو مستفيدين!
- مستفيدين إنه الحق ما يضيع.
- أي حق؟ ولك خلص.. فلسطين عيّدت! كلها كم سنة وبنوخذها كلها.. مالك إنت؟!

عاد سائق التكسي لصمته على مضض، أكملنا الطريق حتى وصل الرجل إلى وجهته، ترجّل من السيارة متّجهاً لأحد فنادق عمّان، أما أنا والسائق، فقد واصلنا الطريق والتعجب يملؤنا.

فاجأني هذا الرجل، لو سمعت ما قاله من شاب في مقتبل العمر لما تفاجأت إلى هذا الحد، فجيل اليوم لم يعش معاناة التهجير والشتات، لم يشهد سرقة فلسطين بكل ما تحمله من خيرات ولم يلمس محاولات طمس أي أثر لتاريخها، ولكن، كيف لرجل بهذا السن أن يكون بكامل تسليمه وولائه؟! كيف له أن يعبّر عن حبّه لمن اغتصب أرضه ودمّر أهله؟!

لم أجد أي إجابة تشفي الغليل، حتى قرأت تدوينة على مدونات الجزيرة، يقول الكاتب في ختامها: "كارثة أوسلو الأكبر من ناحيتي، كانت يوم توجّهت إلى أحد مدراء المدارس "العربية الإسرائيلية" في الداخل الفلسطيني لأخبره بأنه لا بد من العمل أكثر على التوعية بالقضية الفلسطينية وأنه لا يعقل أن يخرج الطفل بعد سنوات من المدرسة وهو لا يعلم ما معنى النكبة ومتى احتلّت فلسطين وكيف يكون علمها وحدودها ونشيدها، فكانت الصاعقة عندما أخبرني: لا مشكلة عندي في أن تكون هناك محاضرات عن فلسطين، فهم جيراننا ولهم علينا حق!".



*تجدون التدوينة كذلك على مدونات الجزيرة:

Sunday, 30 August 2015

ابن الجبل... ابن الأمل

هو ذاك الجميل، ابن الجبل البعيد والأمل الكبير، الكبير، بأفعاله وأحلامه، الحلم الأصيل، النبيل، العنيد، الذي لم يملّ من مداعبة أفكارنا ووجداننا.

هو من مسح بابتسامته حزن قلوبنا العميق رغم كل ما يحيط به من أحزان، من رسم خطوط الفرح حول عيوننا بكلمات من ألوان الطيف، من أضفى على واقعنا لون الحياة.

هو من أسرّ لنا بأمانيه فأسر حواسنا وسحر كياننا وحلّق برفقتنا حيث ينبض المنال.

ويا له من منال، أنيق كالكمان ولذيذ كحبة رمان، لكن الألم يفيض به والأمل بات يضيع منه، وما أصعبه من ضياع!

كيف لنا أن نهدئ من روعه وقد فقد روح الروح؟! أن نبوح بأذنيه وقد أرهقهما ضجيج السماء؟! أن نزرع له الأرض أزهاراً ووروداً وقد ذبلت وجنتيه وفاضت في فؤاده الجروح؟!

بأي حق نشاركه الدمع ونحن من أدرنا وجوهنا عن سيل الدماء، من تعجبنا من قهر الرجال، من جعلنا من الدمار مجالس نقاش نتبارى فيها بلا نتاج!

نتاجنا الوحيد؛ القسوة التي اجتاحت أرواحنا والأنانية التي تمكّنت منا، فتركناه بلا رفيق في درب تغتالها الحرب.
وما أبشعها من حرب! ما أبشعها من كلمة!



آه لو تخلّت عن وسطها لنخرج بأطهر معنى، وننتعش بانتعاش قلب ذاك الجميل، ابن الجبل البعيد والأمل الكبير.

Sunday, 21 June 2015

لم ترُق له

كانت مناسبة لتبهر أبناء المدينة، أما هو، ابن الجبال البعيدة والآمال الكبيرة، فقد اكتفى بضحكة طويلة كصبرها ومستفزة كصمتها، صمتها الذي رافقته نظرة حزينة كثمار مدينتها الجميلة، مدينتها الجميلة كروحه، روحه التي خذلتها.

كانت متأخرة رغم ثمرها، ثمرها الذي لم تتقنه كما قال لها، سرّية رغم علمهم بها، هم الذين لم يحرجوها بأسئلة عنها وعن صاحبها.

كانت رمزية، تهمس بأسرار كثيرة وتعترف بمشاعر دفينة، مختلفة، تتمرّد على خيوطها لتلقي بروحها البيضاء في دروب حزينة فتنسج أثواب فرحة قريبة.

كانت وكانت وكانت، لكنها لم تكن حين تقابلا وقدّمتها له كما تمنّت.

تمنّت أن تأسر حواسه، أن تسحر كيانه، أن تخطفه من عالمه وتلقي به في دوامة من الذكريات.

لكنها لا تذكر منه سوى ما قاله بإعجاب حينها وهو يتفحّص تفاصيلها "من يجيد هذه الحياكة، يجيد حياكة أجمل الحكايا... صدقيني، هناك رابط قوي بين الأمرين".

لم تكن بانتظار تأكيده على وجود هذا الرابط، فنظراتها التي ألقت بها عليه لم تكن سوى تعبيراً عن دهشتها مما لفت انتباهه من كل هذه الحياكة!


رغم حبّها للكرز ولكل ما يرمز له في ذاكرته وفي وجدانها، إلا أنه عجز عمّا تمكّن منه الياسمين، ذاك الياسمين المشاكس رغم خجله، المنفي رغم جمال عبقه، ذاك الياسمين الذي أضفى عبيره على يدها وانسحب برقة وهدوء، بعد أن أشعل صاحبه كافة حواسها.

Tuesday, 24 March 2015

ماما

بتتذكري لما كنت صغيرة كتير وكنتي تحمليني وتقعديني علی طاولة المطبخ، تبدي تمشطيلي شعري وتعمليلي جدولة حلوة بلون عيونك؟ جدولة السنبلة.. كنتي تعرفي تعمليها مع إنه أغلب الأمهات ما بيعرفوا..

أنا ما بتذكر القصة، بس من قد ما عدتيها صارت جزء من ذاكرتي.. كنتي دايما تحكي قدام خواتي الصغار إني الوحيدة اللي فشتلك قلبك وخليتك تلعبي بشعري، إني هادية ومسالمة وما بجادل، كنتي تقولي كمان إني نولدت متل الخروف! بس يلا مسامحاكي بهالوصف الرومانسي!

المهم، كنتي تحطيني علی طاولة المطبخ وتلعبي بشعري وتكملي طبختك وتنسيني.. تنسيني لإني قاعدة بهدوووء وما عم بتحرك، عم بستناكي تيجي تكملي لعب بشعري أو تأكليني من إيديكي الحلوين.. شايفة يا ماما أديش كانت بنتك أمورة وكيوت!

بعرف.. أنا هلأ بطلت متل زمان :$ يمكن هادية شوي بس بطلت مسالمة كتير وصرت أجادلك كتير كتير!

سامحيني يا ماما لإنه الكل بيحكي عني ملاك إلا إنتي بتتمني تحسي بهالملاك اللي ربيتيه.. بتعرفي ليش؟ يمكن لإنك الوحيدة اللي رح تفهمني لو شو ما عملت، لو قد ما غلطت..

سامحيني يا ماما علی كل كلمة قلتها وكانت سبب بزعلك، علی كل حرف كتبته وكان سبب بدمعتك، علی كل شي عملته وإنتي مش راضية عنه..

سامحيني يا ماما إذا نسيت بيوم من الأيام تعبك معنا، سهرك علينا، الحكايات اللي كنتي تنيمينا عليها واللي خلتني أعشق القراءة والكتابة..

سامحيني يا ماما إذا بيوم ما فهمت سبب خوفك علي.. إذا بيوم عاندتك وعملت اللي براسي.. إذا بيوم لمتك علی شي عملتيه لإنك بتحبيني..

بحبك ماما.. وبوعدك أرجع متل هديك البنت اللي كنتي تمشطيلها شعرها وهيي صغيرة.

Wednesday, 15 May 2013

في ذكرى النكبة




فلسطين تستحقُ الحياة،

وتستحقُ أن تسيطرَ على روحنا
ووجداننا وذاكرتنا المتوارثة،
وهذا أقلُّ الانتماء..

سنغني لـفلسطين باستمرار،
وسنُبقي خارطتها على جدران منازلنا،
سنتحدثُ عن تاريخها لأبنائنا،
وسنَطْمَئنُ بين فترة وأخرى على مفاتيح ديارنا
ديارنا التي اشتاقتنا،
وسنُحَرّضُ دوماً
على الجهاد 
من أجل العودة..

لن نُحَرّضَ ضد بلدٍ عربيٍ يأوينا،
وإنما ضد عدُوٍ شرّد الآلاف منا..

يا وطني العربي الذي يستضيفني؛
أعشقُك وأحنُّ كلّ يومٍ لوطني،
أفخرُ بكَ وأحاربُ من أجل وطني،
أعيشُ بكَ وأعملُ لأجلك،
ويعيشُ داخلي وطني الذي ينتظرُ عودتي..



Thursday, 31 January 2013

سورية الروح



    أعجز عن تكوين رأيٍ حيال ما يحصل في سورية (أملي ونبض روحي) حُلُمي منذ الصغر! 


     هل أنحاز للأحرار، أم للنظام.. أم أستمر بالحياد وبتجاهل الدمار؟! وبالحالة الأخيرة سأكون شيطاناً أخرساً لا محال.


لكنّي حقاً غارقة بالحيرة ومتعطشة لومضة حقيقة.

     على الضفة الأولى؛ أسمعهم يشكون النظام وويلاته، يعدّونها لي، يخبروني عن مشاهداتهم لما أحدثه وعن تنبؤاتهم لما هو مقدمٌ عليه، ولا يصمت أحدهم قبل أن يخبرني عن وحشيته وفاشيته.


     وعلى الضفة الثانية؛ يخبروني عن سورية التي ضاعت، وعن الدماء التي هُدرت وعن الحياة التي توقفت، ثم يسألونني "أهكذا تُطلب الحرية؟" ويضيفون باستنكار "أتكون الحرية بتدخلٍ خارجي؟!".


     من الضفة الأولى؛ علمنا عن شابٍ اعتُقل وهو لم يُكمل بعد الـ 18 ربيعاً، ذهب لشراء ما يسدّ جوعه لكنه لم يعد إلا بعد ثلاثة أشهرٍ احترق خلالها قلب والدته وجفّت فيها روحه الفتية.


     ومن الضفة الثانية؛ احترقت قلوبنا مؤخراً على رجل في العقد الثالث من عمره، كان في طريقه إلى زوجته وأولاده، إلا أن قناصاً من الجيش الحر باغته فأفقده وعيه، وهو إلى الآن على فراش الشفاء أو الموت! لست أدري! أهله من حوله ينتظرون حركةً منه، وقلوبنا لأجله تصلي ليلاً نهاراً.

     كانت رؤيتي واضحةً في بداية الأحداث، بل كان حماس الانتفاضة يملؤني ويحركني، ما دعا كثيراً من أهلي إلى تأنيبي.

     لكنّي الآن بحيرةٍ من كل ما يحصل، سواءٌ في (سورية الروح) أو في غيرها من البلدان العربية، والصمت، رغماً عني، يقتحمني ويسيطر عليّ!

فإلى متى لستُ أدري!

     وهل يا تُرى سنفخر بحاضرنا هذا في المستقبل أم أنه سيتحول إلى ندبٍ يصعب استئصاله من بين صفحات التاريخ؟



#من وحي التأمل

Wednesday, 26 December 2012

لنتوارث الذاكرة


فقط كي لا ننسى
أن احتلال الوطن هو الأقسى
وأن كامل أراضينا أغلى ما إليه نسعى
وأن السواد الأعظم في الشتات إلى يومنا هذا يشقى

     كي لا ننسى ولنتوارث الذاكرة جيلاً بعد جيل؛ أدعوكم إلى قراءة تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان "عامود السحاب واغتيال الطفولة" الذي يوثّق الدمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، بالفترة (14-21) تشرين الثاني/نوفمبر لهذا العام.

     ابتدأ هذا العدوان باغتيال القائد العسكري في حركة حماس أحمد الجعبري، ما دفع الفصائل الفلسطينية إلى الثأر لدم هذا البطل، ليستمر العدوان والدمار من الجانب الإسرائيلي ثمانية أيامٍ متتالية على القطاع، انهمرت خلالها أنهار من الدماء، لم تتوقف إلا بهدنة بين الطرفين تقضي بوقف تبادل النيران.

     يركّز هذا التقرير على ضحايا القطاع الأطفال الذين قتلوا خلال العدوان الأخير، حيث يوثّق حكاية 41 طفلاً غزّياً قتلوا ولم يتجاوز عمرهم الثامنة عشر! هؤلاء أطفال كانوا يرسمون مستقبلهم ويخطّطون له، كانوا يحلمون بغدٍ مختلف، غدٍ يُعيدون فيه الحق الذي سُلب من آبائهم، لكن قوّات الاحتلال قضت عليهم فاطمأن بالُها.

     هؤلاء أطفال بعمر الزهور، غابوا لكن روح النصر في داخلهم بقِيَت مرفرفة وستبقى ما دامت الذاكرة متوارثة.

     اقرؤا تقرير "عامود السحاب واغتيال الطفولة" التوثيقي واسمحوا لعبَراتكم بالانهمار، لعلّ الأرواح تتطهّر، والمقاومة تظهر، وتُثمر. وانشروه كذلك لعلّ انتشاره يكون تمهيداً لإدانة ومحاكمة قادة الاحتلال ومن وقف إلى جانبهم.